تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي

153

القصاص على ضوء القرآن والسنة

وانما يذهب إلى القسامة بعد وجود علائم ظنيّة لتثبيت الدعوى والذي يعبّر عنها باللوث ، وان لم يكن من اللوث فلا قسامة . وذهب إليه مالك بن أنس إمام المالكية ، كما ذهب إليه الشافعي في كتابه الأم القديم الذي صنفه في أوائل عمره ، ولم يذكر القسامة في الأمّ الجديد . وذهب أبو حنيفة إمام الحنفية إلى القسامة على المتهم بان يحلف خمسين مرّة ينفى القتل عن نفسه أو يحلف له من أقربائه خمسين شخصا . وهناك أقوال عديدة في المقام . والذي يوافق مشهور الخاصة : انه تلزم البيّنة في بداية الأمر ، وان لم تكن فالقسامة . والمذهب الزيدي يذهب إلى ما تذهب إليه الإمامية ، فأصل القسامة ثابت في الشريعة الإسلامية ، إنما الاختلاف في بعض الوجوه ، فلا بد لنا من ملاحظة الأخبار أولا ، ثمَّ بيان ما هو المختار . ولا يخفى أن مضامين الروايات مختلفة ، فلا بد من مقارنة بعضها مع بعض ومقارعتها حتى نصل إلى ما هو الصواب ويكون المختار ، فان بعضها تفصّل بين اللوث وعدمه ، فمن اللوث كأن يشاهد سكين في يد المتهم ، أو يرى المجني عليه قتيلا في بيته ولم يكن أحد غيره ، فيطالب حينئذ من المدّعي القسامة ، فإن كانت فيثبت بها الدعوى ، وإلا فيطالب ذلك من المنكر ، وبعضها مطلقة من اللوث ، وبعضها التفصيل بين الدعاوي المالية والدموية ، فلا قسامة في الأولى دون الثانية ، وبعضها تتعرض إلى المدعي بان يقيم البيّنة من دون التعرض إلى القسامة أصلا . والمحقق في الشرائع وصاحب الجواهر في شرحها قدّما مبحث اللوث ( 1 )

--> ( 1 ) جاء في جواهر ج 42 ص 226 : ( واما القسامة فيستدعي البحث عنها مقاصد : الأول في اللوث ) فيذكر المصنف اللوث لغة واصطلاحا وانه لا يختص بالنفس بل يعمّ الأعضاء ثمَّ يذكر الروايات في إثبات تشريع القسامة وان النصوص فيها من الطرفين متواترة أو قطعية المضمون ، فيذكر خبر العجلي ورواية أبي بصير وخبر زرارة وخبر عبد اللَّه بن سنان ، إلى غير ذلك من النصوص التي قد يتوهم من ظاهرها عدم اعتبار اللوث فيها ، وان كان المورد في بعضها وجدان القتيل في قلب اليهود أو القرية أو نحوها مما فيه لوث أو كاللوث ، لكن ذلك لا يدل على الاشتراط على وجه يخصّ به عموم الروايات التي سمعتها ومن هنا أشكل الحال على الأردبيلي حتى قال : ( كأن لهم على ذلك إجماعا أو نصا ما اطلعت عليه ) . قلت : قد عرفت في ما تقدم ما يقوم بذلك ، مضافا إلى معلومية مخالفة القسامة للقواعد المعلومة بكون اليمين على المدعي ، وتعدّد الأيمان فيها ، وجواز حلف الإنسان لإثبات حق غيره وعدم سقوط الدعوى بنكول من توجهت عليه اليمين إجماعا على ما في المسالك ، بل ترد اليمين على غيره وغير ذلك ، بل عنه صلَّى اللَّه عليه وآله : ( لو يعطى الناس بأقوالهم لاستباح قوم دماء قوم وأموالهم ) . فالمتجه الاقتصار فيها على المتيقن خصوصا بعد ما سمعت مضافا إلى ما في الرياض من أن النصوص أكثرها في قضية عبد اللَّه بن سهل المشهورة وفيها اللوث بلا شبهة ، وغيرها بين ما ورد الأسئلة فيها وجدان القتيل في محل التهمة وهي كالأدلة وبين مطلقة ولكن إطلاقها لبيان أصل المشروعية لا لبيان ثبوتها على الإطلاق ، فهو حينئذ من قبيل المجملات بلا شبهة . هذا مع أن عدم اعتبار اللوث يستلزم عدم الفرق بين قتيل يوجد في قرية أو محلَّة أو نحو ذلك من الأمثلة الآتية وقتيل يوجد في سوق أو فلاة أو جهة ، مع أن الفتاوى والنصوص مطبقة بالفرق بينهما بثبوت القسامة في الأول دون الثاني . ومن جملة تلك النصوص صحيح مسعدة عن الإمام الصادق . . وأظهر منه قوله عليه السلام في خبر زرارة ( إنما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم ، فان شهدوا عليه جازت شهادتهم ) ولكن العمدة ما عرفته من الإجماع السابق ضرورة منع الإجمال في الإطلاقات المزبورة الفارقة بين الدماء والأموال ، وصحيح مسعدة لا ظهور فيه في الاشتراط على وجه ان لم تحصل إمارة للحاكم لم تشرع القسامة ، ولا الخبر الآخر ، والفرق المزبور بين قتيل الزحام وغيرها انما هو بالنسبة إلى أداء الدية لا في اللوث ، كما ستعرفه في نصوصه ، فتأمل جيدا . انتهى كلامه رفع اللَّه مقامه . وفي جامع المدارك 7 / 252 في قول المصنف في مختصر النافع ( وأما القسامة فلا يثبت الا مع اللوث وهو أمارة يغلب معها الظن بصدق المدعي كما لو وجد في دار قوم أو محلتهم أو قريتهم أو بين قريتين وهو إلى إحديهما أقرب فهو لوث ) قال : أما عدم الإثبات بالقسامة إلا مع اللوث فهو المتسالم عليه بين الفقهاء ، واعتبار اللوث بحسب الأخبار مشكل ، وقد يقال باستفادته من عدة روايات ، منها : معتبرة زرارة عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : ( انما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم فان شهدوا عليه جازت شهادتهم ) ومنها صحيحة زرارة عنه عليه السلام . . ومنها صحيحة بريد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام . . ومنها صحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر عليه السلام . . ومنها صحيحة عبد اللَّه بن سنان . . فان التعليل المذكور فيها يدلنا على أن جعل القسامة لا يعمّ كل مورد ، بل لا بد أن يكون المدعى عليه رجلا فاسقا متهما بالشر ، وهذا هو معنى اللوث . ويمكن أن يقال : لا ظهور في لزوم كون المدعى عليه رجلا فاسقا متهما بالشر ، بل لعل التعبير بما ذكر بملاحظة أن المتعرض لقتل المسلم متعمدا بغير حق فاسق فاجر ، والذي هو المشهور وادّعي عليه الإجماع ، لزوم ما يوجب غلبة الظن بكونه قاتلا ، والحاصل الفرق بين لزوم كون المدعى عليه متصفا بما ذكر قبل القتل ، وبين توصيف المتعرض لقتل المسلم بغير حق ولو بالتعرض للقتل بلا سابقة ، وما ذكر في الأخبار لبيان العلة أو الحكمة لا يستفاد منه أزيد مما ذكر ، وما ذكر من قضية قتل الأنصاري من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم على المحكي ( فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلا أقيده برمّته ) لعله يشهد على ما ذكر ، وعلى هذا فما في معتبرة زرارة من قوله عليه السلام على المحكي ( إنما جعلت القسامة - إلى آخره ) لعله من باب ذكر الحكمة ، وكذا ما في ذيل الخبر المتعرض لقتل الأنصاري ، فإن ما فيه قبل ذلك ليس من باب المطلق حتى يقال : لا مانع من تقييده ، وعلى هذا فان تمَّ الإجماع فلا كلام ، والا فمع صراحة الصحيح المذكور كيف يرفع اليد عنه . ثمَّ لا يخفى أن ما ذكر في المتن من تحقق اللوث بمجرد وجدان المقتول في محلة أو وجدانه قريبا من إحدى المحلتين أو كونه بين المحلتين ، لا يجتمع مع تعريف اللوث بما ذكر ، ومع كون اعتباره من جهة الأخبار المذكورة ، لا بد من الاقتصار بما في الأخبار ، ومع اعتباره من جهة الإجماع لا بد من الاقتصار على القدر المتيقن ، وفي سواه ظاهر الكلمات عدم اعتبار القسامة ، ومقتضى إطلاق الأخبار اعتبار القسامة ، فلاحظ صحيحة مسعدة بن زياد المذكورة ففيها : إذا لم يقم القوم المدّعون البينة على قتل قتيلهم ، ولم يقسموا بأن المتهمين قتلوه حلَّف أولياء القتيل - إلى آخره - ولا يخفى ان الظاهر أن المراد من المتهمين في الصحيحة الأشخاص الذين احتمل في حقهم ارتكاب القتل ولا المتهمين بالشرّ والفجور ، فتكون الصحيحة مما تدل على خلاف المشهور ، والظاهر أن ما في ذيلها ( ثمَّ يؤدي الدية إلى أولياء القتيل ) التأدية من ماله أو من بيت المال ، والأظهر أن يكون من ماله بقرينة ما فيها ، فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال . . وفي تكملة المنهاج 2 / 104 : ان المتسالم عليه بين فقهائنا - بل بين فقهاء المسلمين كافة إلا الكوفي من العامة - اعتبار اللوث في القسامة ، ومع ذلك قد ناقش فيه المحقق الأردبيلي نظرا إلى إطلاق الروايات وخلوها عن التقييد المذكور ، ولكن الصحيح هو اعتبار اللوث ، فإنه - مضافا إلى كونه أمرا متسالما عليه - يمكن استفادته من عدة روايات في الباب كمعتبرة زرارة . . وصحيحة وصحيحة بريد وصحيحة ابن سنان . . فان التعليل المذكور فيها يدلنا على أن جعل القسامة لا يعمّ كل مورد ، بل لا بد أن يكون المدعى عليه رجلا فاسقا ومتهما بالشر ، كما صرح به في رواية زرارة . وهذا هو معنى اللوث . أضف إلى ذلك ان قوله عليه السلام في روايات الباب : ( انما جعلت القسامة احتياطا للدماء ، بل يوجب هدرها ، حيث أن للفاسق والفاجر أن يدعي القتل على أحد ويأتي بالقسامة ويقتص منه ، فيذهب دم المسلم هدرا . ويؤيد ذلك ما في حديث عن الصادق عليه السلام : ( كانت العداوة بين الأنصار وبينهم - اليهود - ظاهرة ، فإذا كانت هذه الأسباب أو ما أشبهها فهي لطخ تجب معه القسامة ) انتهى كلامه رفع اللَّه مقامه . أقول : من أقوى المعاني اللغوي في اللوث هو التلطخ ، وقد وردت هذه الصيغة في هذه الرواية ، وهذا يعني ان معنى اللوث ورد في لسان الرواية ، وان لم يكن بكلمة اللوث بالخصوص فتأمل .